نخبة من الأكاديميين
107
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
سبحانه وتعالى على نساء العالم . كما أن من أركان الإيمان الإسلامي ، كما هو معروف ، أن يؤمن المسلم بنبوة المسيح . ولكن الإسلام لا يوافق على القول بألوهية المسيح ، أو بكونه ابن الله ، كما ينفي حدوث واقعة الصلب من أصلها ؛ وهي أمور سببت خلافات هائلة بين المسلمين والنصارى . بيد أن هذه الأمور التي اهتمت بها النخبة لم تكن على هذا القدر من الوضوح بالنسبة إلى العامة الناس على الجانبين . ومن ناحية أخرى ، لم يكن هناك قدر كاف من المعرفة لدى كل طرف عن الآخر بسبب الظروف التاريخية التي حكمت مسار الفكر والثقافة آنذاك . لقد ظلت أوروبا والعالم المسلم ، بالتبادل ، أَسيرَىْ الجهل بالآخر على المستوى الإنساني . وعلى الرغم من « معرفة » المسلمين بالمسيحية معرفة " نسبية " ، فإن ذلك لم يكن يعنى معرفتهم « بالأوروبي » في حياته الاجتماعية / الإنسانية . أما من جهة أخرى ، فإن الصورة الخيالية التي رسمتها أقلام النخبة الأوروبية للإسلام والمسلمين كانت تعني عدم معرفة أوروبا بالمسلمين في حياتهم الاجتماعية / الإنسانية . هكذا كان الجهل والوهم يطبع صورة الآخر بطابعه على الجانبين . إلا أن العداء كان يميز الموقف الأوروبي خاصة في مناطق التماس مع العالم الإسلامي . ومع هذا ، فإن الصور العدائية على الجانبين كانت نتاجًا للجهل واللامبالاة حتى بدأت التعبئة الدعائية الصليبية تتصاعد بشكل هستيري ضد المسلمين تبريرًا للحرب عليهم ، كما كانت تلك الصورة نتاجًا للهزائم التي ألحقها المسلمون بالمشروع الصليبي في ما بعد . وعلى الجانب المسلم تكونت صورة سلبية قبيحة للفرنج الصليبيين الذين عرفهم المسلمون عن قرب في خضم الحروب الصليبية ، وكانوا هم الأوروبيين الوحيدين الذين كانت « معرفة » المسلمين بهم عن قرب وعن خبرة ومعايشة . ونتيجة لهذا كان العداء أيضًا من سمات صورة الآخر الأوروبي في أذهان المسلمين . والمثير في الأمر ، أن صورة « الآخر » على الجانبين في عصر الحروب الصليبية لم تكن نتاجاً لكتابات النخبة فقط ، كما كان الحال في الفترة السابقة ، وإنما كانت ثمرة للخيال الشعبي على الجانبين بكل ما تحمله من مشاعر وأحاسيس وتصورات وجدانية عن « الآخر » . وهنا يلفت النظر أن « الآخر » كان محلًا للخيال العدواني ؛ سواء في ذلك القصائد التي عرفها الغرب الأوروبي باسم « أغانى الحروب الصليبية » Les Chansons de Croisade ، أو في المأثورات الشعبية العربية مثل « ألف ليلة وليلة » وسيرة الظاهر بيبرس ، وسيرة السيد أحمد البدوي » . . . وغيرها . وهنا يجب الانتباه إلى أن المشاعر السلبية التي تسربت إلى الموروث الشعبي في تيار ثقافي تحتي مستمر عبر عشرات السنين ، قد صارت بمرور الزمن جزءًا من الثقافة السائدة لدى الجانبين تجاه الآخر . وعلى الرغم من هذا كله ، فإن العلاقات ب - « الآخر » على الجانبين لم تكن سلبية في كل الأحوال ، ولم تكن عدائية في جميع الأحيان . فقد كانت الرغبة في « المعرفة » أقوى من مشاعر العداء ؛ وهذا ما يفسر لنا حركة الترجمة التي صاحبت قيام الحضارة الإسلامية العربية من جهة ، والنهضة الأوروبية أواخر العصور الوسطى من جهة أخرى ، وذلك اعتمادًا على تراث « الآخر » . كما أن التجارة والربح